فوزي آل سيف

55

فقه العلاقات الاجتماعية

وإنما هي في مواضع معينة ، ليس منها الموضع المذكور آنفا ، إذ مجرد تصور العامل أن رب العمل يربح من عمله ـ العامل ـ كثيراً وأنه لا يعطيه بمقدار حقه ـ كما يتصور ـ لا يسوغ له التفريط بأدواته أو ممتلكاته .. وموضع المقاصة هو ما إذا كان الطرف الذي يراد الاقتصاص منه يعترف بحق للمقتص ، ولكنه لا يدفعه إليه عصيانا ، أما إذا كان بينهما عقد يراه رب العمل منصفاً ولا يعترف بحق للعامل أكثر مما هو منصوص عليه في العقد ، فلا يجوز المقاصة ! على أن الإتلاف للأدوات ليس من المقاصة في شيء ! العلاقة بين أرباب العمل والعاملة المنزلية تقديم عام شهدت العلاقة بين العامل ورب العمل مراحل مختلفة في تاريخ الإنسان : المرحلة الأولى كانت تقوم على أساس إعطاء كامل الحق لرب العمل وصاحب المال بحيث يستنزف جهد العامل كله ، ولا يعطيه ـ لو أعطاه ـ غير شيء يسير من أسباب العيش تمكنه من العودة إلى الخدمة في مزرعة صاحب المال ذلك . بل كان صاحب العمل يتعامل مع ذلك الإنسان العامل لديه معاملته مع أي حيوان يملكه أو سلعة يقتنيها ، فيحافظ عليه لا لجهة كرامة نفسه أو حقه في الحياة وإنما لأجل أن يخدم ويعمل لديه .. وأظهر صور هذه المرحلة تمثلت في الرق والاستعباد للبشر الضعفاء . حيث كان مالك المال يبيع ويشتري في هؤلاء كما يبيع فرسا أو يشتري بقرة ! المرحلة الثانية : جاءت في فترة متأخرة حيث تغير هذا الشكل من العبودية والاسترقاق إلى صورة أخرى سميت بالإقطاع، كان بعض ملاك الأراضي الواسعة يستخدمون أعداداً كبيرة من المحتاجين ، وكان الفقير الذي لا يملك قوت يومه ولا يستطيع أن يعمل لنفسه، يجد نفسه منساقا للعمل ضمن مجموعة كبيرة من أمثاله ( بعقد ) مجحف إلى أقصى الدرجات بينه وبين مالك الأرض فربما كان يعمل طيلة نهاره في مقابل مقدار شبع بطنه لكي يعمل لليوم التالي وإلا لو كان يمكن أن يحرم من الطعام ويستطيع العمل لكان يحرم من ذلك، وأمر الأجور لم يكن داخلا في مفهوم تلك الفئات الإقطاعية التي كانت ترى نفسها متفضلة على ذلك الإنسان بتشغيله لكي لا يموت جوعا. وكان هذا العقد الذي لم يكن مكتوبا أو ملزما لمالك الأرض وصاحب العمل كان ملزما للعامل بقوة الأمر الواقع والحاجة . وربما يعجز العامل لكبر سنه عن العمل فيأتي ولده الشاب للعمل ، ولكن بنفس الشروط والإجحاف. المرحلة الثالثة : هي التي تنتمي إلى العصر الحديث والتي استطاع فيها الإنسان أن يتجاوز المرحلتين السابقتين رسميا[174] ، فيحرم الرق والاستعباد ، وأن يلغي نظام الإقطاع ، ومن خلال الثورات الشعبية ، والقوانين الدولية ، تم التوصل إلى صيغ منصفة إجمالاً بالنسبة إلى العامل .

--> 174 (بالرغم من ذلك إلا أننا نشهد بين فترة وأخرى نماذج لحالات من الاستغلال تصل إلى درجة أسوء أنواع الرق ، كما ذكرت ذلك بعض الصحف ، حيث رفعت إحدى جمعيات حقوق الإنسان في اسبانيا دعوى قضائية على مالكين لمزرعتين تتهمهما الاستعباد والاسترقاق لمن هم تحت أيديهما من العاملين .. وقصة هذين أنهما كانا يلتقطان العرب المهاجرين بصورة غير رسمية من المغرب العربي إلى الجهة الأخرى ، فيقومان بعد استلامهما المهاجرين بإتلاف الوثائق الرسمية والمستندات ، فتشتد حاجة هؤلاء المهاحرين لأرباب عملهم ، حيث لا يعرفون اللغة ، ولا يتمكنون من الظهور العلني لعدم وجود وثائق لهم ، ويضطرون إلى العمل من شروق الشمس إلى غروبها في مقابل ودبة طعام تشتمل على الحساء والخبز فقط وبعد أربع سنوات ذبلت أجسامهم ولولا أن أحد المارة قد عاينهم وأخبر عنهم لكانوا قد ماتوا جوعا ّ!